عثمان في ساعته الأخيرة - Soffah.Net

0
وقال له أبو هريرة: اليوم طاب الضرب معك. قال: عزمت عليك لتخرجن199. وكان الحسن بن علي آخر من خرج من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين وابن عمر وابن الزبير ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم، وخروجهم، ولزوم بيوتهم. فقال له الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا ألا نبرح، ففتح عثمان الباب، ودخلوا عليه في أصح الأقوال200. فقتله المرء الأسود201. وقيل: أخذ ابن أبي بكر بلحيته، وذبحه [رومان]202، وقيل:
ـــــــ
199 هذا الخبر في تاريخ الطبري: 5: 129. "خ".
200 أصل هذا الخبر في تاريخ الطبري: 128:5 عن سيف بن عمر التميمي عن أشياخه."خ". 201 كذا في مطبوعة الجزائر، والذي في تاريخ الطبري: 125:5 "الموت الأسود"، والأصول التي طبع عليها تاريخ الطبري أصح من الأصول التي طبع عليها كتابنا في الجزائر، ومن الثابت أن ابن سبأ كان مع ثوار مصر عند مجيئهم من الفسطاط إلى المدينة "الطبري: 103:5-104" وهو في كل الأدوار التي مثلها كان شديد الحرص على أن يعمل من وراء ستار، فلعل الموت الأسود اسم مستعار له أراد أن يرمز به إليه؛ ليتمكن من مواصلة دسائسه لهدم الإسلام."خ". توضيح: ب، ج، ز: المرء. وتتفق "د" مع ما ورد في تاريخ الطبري حيث عبر عن ذلك بالموت، فقال: ودخل عليه رجل يقال له الموت الأسود، وذكر خليفة بن خياط: أنه رجل من بني سدوس يقال له: الموت الأسود: "152/1"."س. ".202 رومان رجل من بني أسد بن خزيمة، وليس محرفًا كما قال الشيخ محب الدين الخطيب، حيث وضع مكانه "كنانة بن بشر" بدعوى أن نسخة الجزائر كثيرة التحريف، انظر تاريخ خليفة بن خياط: 153/1."س".
ـــــــ
= إمامًا وأنه نهى عن القتال، وقال: من سلَّ سيفه فليس مني، فلو قاتلنا دونه عصيناه، قال: فأي منزلة وسعت عثمان إذا استسلم؟ قال: المنزلة التي وسعت ابن آدم إذ قال لأخيه: {لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}.
.... وما أروع ما قاله محمد بن سيرين في هذا الموضوع: "ما علمت أن عليًّا اتُّهِم في دم عثمان حتى بويع، فلما بويع اتهمه الناس، وذلك أمر مركوز في الطبائع"."م".


رجل من أهل مصر يقال له حمار203، فسقطت قطرة من دمه على المصحف على قوله: {فَسَيَكْفِيْكَهُم} فإنها فيه ما حكت إلى الآن204.
وروي أن عائشة رضي الله عنها قالت: "غضبت لكم من السوط، ولا أغضب لعثمان من السيف؟ استعتبتموه حتى إذا تركتموه [كالفل]205 المصفى، ومصتموه موص الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس، ثم قتلتموه".206 قال مسروق207: قلت لها: "هذا عملك، كتبت إلى الناس تأمرينهم بالخروج عليه". فقالت عائشة: "والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم سوادًا في بياض". قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها208. وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.

قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: فهذا أشبه ما روي في الباب.
ـــــــ
203 لم أر هذا الاسم فيمن اجترءوا على ارتكاب الجريمة العظمى، ولعل النساخ حرَّفوا اسم سودان بن حمران أو اسم عمرو بن الحمق."خ.".204 ذكرت هذه الحادثة في الطبري بسند حسن، وقد بعث الله على قتلة عثمان من قتلهم جميعًا، ولعل الآية تشير إلى هذا الانتقام."م.".205 ب، ج، ز: "العبد"، وأصلحه الشيخ محب الدين: "القند"، ولعله الذهب، لأنه قد ورد في تاريخ ابن الأثير في شأن عثمان "كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذا ما صوه كما يماص الثوب بالماء": 207/2."س.".206 قالت ذلك أول مرة عند وصولها إلى المدينة عائدة من الحج، فاجتمع إليها الناس، وألقت فيهم خطبة بليغة، وردت هذه الجملة في آخرها، الطبري: "165:5-166". والموص: الغسل بالصابع، والقند: عسل قصب السكر إذا جمد."خ".207 هو من أئمة التابعين المقتدى بهم، توفي سنة 63. وهو الذي قال لعمار بالكوفة قبل يوم الجمل: يا أبا اليقظان، علام قتلتم عثمان؟ قال: على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا** فقال مسروق: والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولئن صبرتم لهو خير للصابرين "الطبري: 187:5". وقد وجدت بعده في تاريخ الطبري ما يخالفه: خرج أبو موسى فلقى الحسن بن علي... وقال لعمار: يا أبا يقظان، عدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته؟، فقال: لم أفعل."7: 35"."م.".208 كما كتب على لسان علي: ولسان عثمان."خ".


الحكم الفقهي في موقف عثمان من الدفاع أو الإستسلام
...
وبه يتبين -وبأصل المسألة سلوك سبيل الحق- أن أحدًا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه. ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين ألفًا بلديين أو أكثر من ذلك209، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة210. وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها: هل يلقى بيده، أو يستنصر211، وأجاز بعضهم أن يستسلم ويلقى بيده اقتداء بفعل عثمان، وبتوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك في الفتنة212 قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: ولقد حكمت بين الناس فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى لم يكُ [ترى] في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب، وعظم على الفسقة الكرب فتألبوا
ـــــــ
209 أين هذه المواقف الشريفة للصحابة دون استثناء واحد منهم مما يزعم السفهاء من أن الصحابة كلهم كانوا راضين بقتله، ويتبرَّءون منه حتى تركوه بعد قتله ثلاثة أيام بلا دفن، كما ذكره مؤلف التحفة الاثني عشرية ورد عليهما بما ألقمهم حجرًا فكان مما قاله: "... إن هذا كله كذب صريح وبهتان صريح لا يخفى على الصبيان فضلًا عن ذوي العرفان "مختصر التحفة الاثني عشرية266"."م".
210 لأنه اختار بذلك أهون الشرين، فآثر التضحية بنفسه على توسيع دائرة الفتنة وسفك دماء المسلمين، وعثمان افتدى دماء أمته بدمه مختارًا، فما أحسن الكثيرون منا جزاءه، وإن أوربا تعبد بَشَرًا بزعم الفداء، ولم يكن فيه مختارًا."خ".211 من سياسة الإسلام أن يختار في كل أقلها شرًّا وأخفها ضررًا، فإذا كانت للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته، فالإسلام يهدي إلى قمع الشر بقوة الخير بلا تردد، وإن لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته -كما كانت الحال في موقف أمير المؤمنين عثمان من البغاة عليه- فمصلحة الإسلام في مثل ما جنح إليه عثمان أعلى الله مقامه في دار الخلود."خ".212 وهي قوله صلى الله عليه وآله وسلم على ما رواه الإمام البخاري في كتاب المناقب ك61 ب 25 ج 4، صـ 177، وفي كتاب الفتن ك 92 ب9، ج 8، صـ 92 من صحيحه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: "ستكون فتن القاعد فيها خير من القائم، والقائم، فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، ومن يشرف لها تستشرفه، ومن وجد ملجأ أو معاذًا فليعذ به" ، وأعلن أبو موسى الأشعري في الكوفة قبل وقعة الجمل أنه سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "الطبري: 188:5"."خ".


وألبوا، وثاروا إليَّ [واستسلمت] لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدافعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار لكنت قتيل الدار.وكان الذي حملني على ذلك ثلاثة أمور: أحدها وصاية النبي صلى الله عليه وآله وسلم المتقدمة214، والثاني الاقتداء بعثمان، والثالث سوء الأحدوثة التي فر منها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المؤيدة بالوحي215 فإن من غاب عني، بل من حضر من الحسدة معي، خفت أن يقول: إن الناس مشوا [مستعينين به] مستغيثين له، فأراق دمائهم. وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخير الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد. وروى أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليل 217.
ـــــــ
214 وقد نقلناها آنفا عن حديث أبي هريرة في صحيح البخاري، ومن حديث أبي موسى في الكوفة قبل وقعة الجمل."خ".
215 وذلك لما قال ابن سلول في غزوة بني المصطلق: "إذا رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، فأراد عمر أن يقتله، فمنعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: "لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه"." خ".217 هذه الرواية لابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سلام في البداية والنهاية: 182:7-183، ومن طريق آخر عنه في أنساب الأشراف للبلاذري: 82:5. وفي مسند أحمد: "72/1 الطبعة الأولى رقم 526 الثانية" من حديث مسلم أبي سعيد مولى عثمان قال: إن عثمان أعتق عشرين مملوكًا، ودعا بسراويل فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: "إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم البارحة في المنام ورأيت أبا بكر وعمر، وأنهم قالوا لي: اصبر، فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه، فقتل وهو بين يديه". وروى الإمام أحمد هذا الحديث عن نائلة زوجة عثمان 73:1 رقم 536 بقريب من هذا. وفي البداية والنهاية 182:7 من حديث أيوب السختياني عن نافع عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومن طرق أخرى متعددة، وانظر تاريخ الطبري*: 125:5."خ".
ـــــــ
* روى الطبري نحوه مختصرًا وإسناده حسن."م".


وقد انتدبت المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه مشاغبًا مؤلبًا، وبما جرى عليه راضيًا، واخترعوا كتابًا فيه فصاحة وأمثال كتب عثمان به مستصرخًا إلى علي، وذلك كله مصنوع؛ ليوغر قلوب المسلمين على السلف الماضين والخلفاء الراشدين218. قال القاضي أبو بكر رضي الله عنه: فالذي ينخل من ذلك أن عثمان مظلوم، محجوج بغير حجة219. وأن الصحابة برآء من دمه بأجمعهم؛ لأنهم أتوا إرادته، وسلموا له رأيه في إسلام نفسه. ولقد ثبت -زائدًا إلى ما تقدم عنهم- أن عبد الله بن الزبير قال لعثمان: إنا معك في الدار عصابة مستبصرة ينصر الله بأقل منهم، فائذن لنا، فقال: أذكر الله رجلًا أراق لي دمه "أو قال دمًا"220.
ـــــــ
218 هذه الكتب المصنوعة والأخبار المبالغ فيها أو المكذوبة شحنت بها أسفار الأخبار وكتب الأدب. ولتمييز الحق فيها من الباطل طريقان: أحدهما طريق أهل الحديث في أن لا يقبلوا إلا الأخبار المسندة إلى أشخاص بأسمائهم، ثم يستعرضوا أحوال هؤلاء الأشخاص، فيقبلوا من صادقهم، ويضربوا وجه الكذاب بكذبه، والطريق الثاني طريق علماء التاريخ: وهو أن يعرضوا كل خبر على سجايا من يخبر عنه، ويقارنوه بسيرته، وهل هو مما ينتظر وقوعه ممن نسب إليه، ويلائم المعروف من سابقته وأخلاقه أم لا، وتمحيص تاريخنا يحتاج إلى هاتين الطريقين معًا يقوم بهما علماء راسخون فيهما."خ".219 كما تبين في هذا الكتاب بأسانيده القاطعة. وانظر كتاب "التمهيد" للإمام أبي بكر الباقلاني: صـ 220-227."خ".220 ولما بدأ حجاج بيت الله يعودون إلى المدينة كان أول المسرعين منهم المغيرة بن الأخنس بن شريق الثقفي الصحابي، فأدرك عثمان قبل أن يقتل، وشهد المناوشة على باب دار عثمان فجلس على الباب من داخل وقال: ما عذرنا عند الله أن تركناك، ونحن نستطيع ألا ندعهم حتى نموت، وكان أول من برز للبغاة المهاجمين، وقاتل حتى قتل. وخرج معه لقتالهم الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو يقول في تسفيه عمل البغاة: لا دينهم ديني ولا أنا منهم ... حتى أسير إلى طمار شمام
أي إلى جبل أشم لا ينجو من سقط منه، وخرج معهما محمد بن طلحة بن عبيد الله -وكان يعرف بالسجاد؛ لكثرة عبادته- وهو يقول:
أنا ابن من حامى عليه بأحد ... ورد أحزابًا على رغم معد
انظر تاريخ الطبري: 128:5-129."خ".


الذين دافعوا عن عثمان في الساعة الأخيرة خارج الدار
...
وقال سليط بن أبي سليط: نهانا عثمان عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم عن أقطارها221. وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن لي عليه سمعًا وطاعة إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده وسلاحه222. وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير وابن عمر ومروان كلهم شاك في السلاح حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم ولزمتم بيوتكم223. فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق [ألا] يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة مفروض عليهم النظر فيه، ولم يكن بعد الثلاثة كالرابع قدرًا وعلمًا وتقىً ودينًا.
ـــــــ
221 رواه الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب: 118:2-119 هامش الإصابة" من حديث ابن سيرين عن سليط، وأورده الحافظ ابن حجر مختصرًا في الإصابة 72:2."خ".222 وفي تاريخ الطبري : 127:5 أن عثمان دعا عبد الله بن عباس فقال له: "اذهب فأنت على الموسم" أي على إمارة الحج، فقال ابن عباس: "والله يا أمير المؤمنين لجهاد هؤلاء أحب إليَّ من الحج" فأقسم عليه لينطلقن، فانطلق ابن عباس على الموسم تلك السنة."خ.".223 قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: "181:7": كان الحصار مستمرًّا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة. فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار-وكانوا قريبًا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه ولو تركهم لمنعوه-: "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده، وأن ينطلق إلى منزله"، وقال لرقيقه: "من أغمد سيفه فهو حر" فبرد القتال من داخل، وحمي من خارج. حتى كانت الساعة التي تم فيها للشيطان ما سعى له وتمناه، ويكفي لبيان ما كان لهذه الفاجعة الكبرى من الأثر في النفوس ما نقله البلاذري في أنساب الأشراف: 103:5 عن المدائني عن سلمة بن عثمان عن علي بن زيد عن الحسن قال: دخل علي يومًا على بناته وهن يمسحن عيونهن. قال: مالكن تبكين؟ قلن: نبكي على عثمان، فبكى وقال: ابكين..."خ".


خلافة علي
...
فانعقدت له البيعة، ولولا الإسراع بعقد البيعة لعلي لجرى على من بها من الأوباش ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضًا عليه، فانقاد إليه224.
ـــــــ
224 في تاريخ الطبري: 155:5 عن سيف* بن عمر التميمي عن أشياخه قالوا: بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام أميرها الغافقي بن حرب يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر فلا يجدونه: يأتي المصريون عليًّا فيختبيء منهم ويلوذ بحيطان المدينة "أي يختبيء في بساتينها" فإذا لقوه باعدهم وتبرأ منهم ومن مقالتهم مرة بعد مرة. ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، فأرسلوا إليه حيث هو رسلًا فباعدهم وتبرأ من مقالتهم، ويطلب البصريون طلحة، فإذا لقيهم باعدهم وتبرأ من مقالتهم... فبعثوا إلى سعد بن أبي وقاص وقالوا: إنك من أهل الشورى فرأينا فيك مجتمع، فأقدم نبايعك، فبعث إليهم: "إني وابن عمر خرجنا منها، فلا حاجة لي فيها".. ثم إنهم أتوا ابن عمر عبد الله فقالوا: أنت ابن عمر فقم بهذا الأمر، فقال: إن لهذا الأمر انتقامًا، والله لا أتعرضن له فالتمسوا غيري، وأخرج الطبري: 156:5 عن الشعبي قال: أتى الناس عليًّا وهو في سوق المدينة، وقالوا له: ابسط يدك نبايعك، قال: لا تعجلوا، فإن عمر كان رجلًا مباركًا، وقد أوصى بها شورى، فأمهلوا يجتمع الناس ويتشاورون، فارتد الناس عن علي، ثم قال بعضهم: إن رجع الناس إلى أمصارهم بقتل عثمان، ولم يقم بعده قائم بهذا الأمر لم نأمن اختلاف الناس وفساد الأمة، فعادوا إلى علي، فأخذ الأشتر بيده، فقبضها علي، فقال: أبعد ثلاثة؟ أما والله لئن تركتها لتعصرن عينيك عليها حينًا، فبايعته العامة، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر، وروى سيف عن أبي حارثة محرز العبشمي وعن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغساني قالا: لما كان يوم الخميس على رأس خمسة أيام من مقتل عثمان جمعوا أهل المدينة، فوجدوا سعدًا والزبير خارجين ووجدوا طلحة في حائط له... فلما اجتمع لهم أهل المدينة قال لهم أهل مصر: أنتم أهل الشورى، وأنتم تعقدون الإمامة، وأمركم عابر على الأمة، فانظروا رجلًا تنصبونه، ونحن لكم تبع. فقال الجمهور: علي بن أبي طالب نحن به راضون... فقال علي: دعوني والتمسوا غيري... فقالوا: ننشدك الله، ألا ترى الفتنة، ألا تخاف الله؟ فقال: إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، وإن تركتموني فإنما أنا كأحدكم، إلا أني أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. ثم افترقوا على ذلك واتعدوا الغد "أي يوم الجمعة" فلما أصبحوا من يوم الجمعة حضر الناس المسجد، وجاء علي حتى صعد المنبر فقال: "يا أيها الناس عن ملأ وأذن. إن هذا أمركم، ليس لأحد
ـــــــ
* سيف هذا متهم بالكذب كما جاء في اللسان والميزان."م".


قولهم في بيعة طلحة يد شلاء وفي طلحة والزبير بايعا مكرهين
...
وعقد له البيعة طلحة، فقال الناس: بايع عليًّا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر235.
فإن قيل: بايعا مكرهين236. قلنا: حاشا لله أن يكرها، لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك؛ لأن واحدا أو اثنين تنعقد البيعة بهما وتتم، ومن بايع بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعًا، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام227. وأما من قال يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع، ولم يكن كذلك228.فإن قيل: فقد قال طلحة: "بايعت واللج229 على قفى"230. قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل الحديث في "القفا" لغة "قفى" كما يجعل في "الهوى": "هوى". وتلك لغة هذيل لا قريش231 فكانت كذبة لم تدبر.
ـــــــ
= فيه حق إلا إن أمرتم، وقد افترقنا بالأمس على أمر، فإن شئتم عقدت لكم، وإلا فلا أجد على أحد" فقالوا: نحن على ما فارقناك عليه بالأمس. وهذه الوقائع على بساطتها تدل على أن بيعة علي كانت كبيعة إخوانه من قبل جاءت على قدرها وفي إبانها، وإنها مستمدة من رضا الأمة في حينها، لا من وصية سابقة مزعومة أو رموز خيالية موهومة."خ".225 قائل هذه الكلمة حبيب بن ذؤيب. رواه الطبري: 153:5 عن أبي المليح الهذلي."خ".226 يعني طلحة والزبير."خ".227 القاضي ابن العربي يقر هنا الحكم الشرعي في عقد البيعة، لا على أنه رأى له، وللإمام أبي بكر الباقلاني كلام سديد في التمهيد: صـ 231."خ".228 وقد علمت أن أهل الكوفة يقولون إن الأشتر كان أول من بايع، ولو كانت يد طلحة هي الأولى في البيعة لكانت أعظم بركة؛ لأنها يد دافعت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويد الأشتر لا تزال رطبة من دم الشهيد المبشر بالجنة."خ".229 في جميع النسخ المخطوطة "اللح" وصوابه "اللج" وهو كالسيف، وقد أصلحه الشيخ محب الدين الخطيب ولم ينبه إلى ذلك."س".230 بل هي أبعد عن لغة قريش من لهجة هذيل، فقد قال ابن الأثير في النهاية "مادة لجج" إنها لغة طائية، يشددون ياء المتكلم."خ".231 كان طلحة من العصابة الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وآله =


وأما قولهم "يد شلاء" لو صح فلا متعلق فهم فيه، فإن يدًا شلت في وقاية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه232، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ القدر بعد ذلك على حكمه. وجهل المبتدع ذلك فاخترع ما هو حجة عليه.
ـــــــ
= وسلم على الموت يوم أحد حين انهزم المسلمون، فصبروا ولزموا، ورمى مالك بن زهير الجشمي بسهم يريد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -وكان لا يخطيء رميه- فاتقاه طلحة بيده عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكان ذلك سبب الشلل في يده من خنصره، وأقبل رجل من بني عامر يجر رمحًا له على فرس كميت أغر مدججًا في الحديد يصيح أنا أبو ذات الودع، دلوني على محمد، فضرب طلحة عرقوب فرسه، فاكتسعت، ثم تناول رمحه فلم يخطيء به عن حدقته، فخار كما يخور الثور، فما برح طلحة واضعًا رجله على خده حتى مات، قالت بنتاه -عائشة وأم إسحاق-: جرح أبونا يوم أحد أربعًا وعشرين جراحة في جميع جسده، وقد غلبه الغشى، وهو مع ذلك محتمل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى كسرت رباعيتاه يرجع به القهقرى، كلما أدركه أحد من المشركين قاتل دونه حتى أسنده إلى الشعب. فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا رأى طلحة: "من أحب أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله" * رواه أبو نعيم الأصبهاني، وكان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: "ذاك يوم كان يوم طلحة". وسمع علي بن أبي طالب رجلًا يقول بعد يوم الجمل: ومن طلحة؟ فزبره علي، وقال: "إنك لم تشهد يوم أحد، لقد رأيته وإنه ليحترس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن السيوف لتغشاه، وإن هو إلا جنة بنفسه لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم". أخرج الحافظ ابن عساكر: 78:7 من طريق ابن منده عن طلحة قال: سماني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد "طلحة الخير"، وفي غزوة العسرة "طلحة الفياض" ويوم حنين "طلحة الجود"."خ".232 وانظر "التمهيد" للباقلاني: صـ 231، 235، 236، وحقيقة موقف علي من قتلة عثمان أنهم عند البيعة له كانوا هم المستولين على زمام الأمر في المدينة، وفي حالة الإرهاب التي كانت سائدة يومئذ لم يكن في استطاعة علي ولا غيره أن يقف منهم مثل موقف الصحابة من عبيد الله بن عمر لما قتل الهرمزان، مع الفارق العظيم بن دم أمير المؤمنين الخليفة الراشد، والأسير الحربي المجوسي الذي قال أنه أسلم بعد وقوعه في الأسر، ولما انتقل علي من المدينة إلى العراق ليكون على مقربة من الشام انتقل معه قتلة عثمان، ولاسيما أهل البصرة والكوفة منهم، فلما صاروا في بصرتهم وكوفتهم صاروا في معقل =
ـــــــ
* إسناده صحيح لشواهده كما جاء في الأحاديث الصحيحة "2/ 32."م".


موقف علي من قتلة عثمان
...
فإن قيل: بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان، قلنا: هذا لا يصح في شرط البيعة، وإنما يبايعونه على الحكم بالحق، وهو أن يحضر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم، فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام232. قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة، منهم سعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد وسواهم من نظرائهم. قلنا: أما بيعته فلم يتخلف عنها، وأما نصرته فتخلف عنها قوم، منهم من ذكرتم؛ لأنها كانت مسألة اجتهاد، فاجتهد كل واحد وأعمل نظره وأصاب قدره233.
ـــــــ
= قوتهم وعنجهية قبائلهم، ولا شك أن عليًّا أعلن البراءة منهم، وأراد أن يتفق مع أصحاب الجمل على ما يمكن الاتفاق عليه في هذا الشأن، فأنشب قتلة عثمان القتال بين معسكر علي ومعسكر أصحاب الجمل، وتمكن أصحاب الجمل من قتل المصريين من قتلة عثمان إلا واحدًا من بني سعد بن زيد مناة بن تميم حمته قبيلته، فلما اتسعت الأمور وسفكت الدماء كان علي في موقف يحتاج فيه إلى بأس هؤلاء المعروفين بأنهم من قتلة عثمان، وفي مقدمتهم الأشتر وأمثاله، وأن كثيرين منهم انقلبوا على علي بعد ذلك، وخرجوا عليه معتقدين كفره. ويقول علماء السنة والمؤرخون أن الله كان بالمرصاد لقتلة عثمان، فانتقم منهم بالقتل والنكال واحدًا بعد واحد، حتى الذين طال بهم العمر إلى زمن الحجاج كانت عاقبتهم سفك دمائهم؛ جزاء بما قدمت أيديهم، والله أعدل الحاكمين."خ".
233 وانظر التمهيد للباقلاني: صـ 233-234.


الباب الثالث
قاصمة.

اجتماع أصحاب مكة وخروجهم إلى البصرة
...
قاصمة:
روى قوم أن البيعة لما تمت لعلي استاذن طلحة والزبير عليًّا في الخروج إلى مكة234. فقال لهما علي: لعلكما تريدان البصرة والشام، فأقسما ألا يفعلا335. وكانت عائشة بمكة236. وهرب عبد الله بن عامر عامل عثمان على البصرة إلى مكة، ويعلى بن أمية عامل عثمان على اليمن. فاجتمعوا بمكة كلهم، ومعهم مروان بن الحكم، واجتمعت بنو أمية، وحرضوا على دم عثمان، وأعطى يعلى لطلحة والزبير وعائشة أربعمائة ألف درهم، وأعطى لعائشة "عسكرًا" جملًا اشتراه باليمن بمائتي دينار، فأرادوا الشام، فصدهم ابن عامر وقال: لا ميعاد لكم بمعاوية، ولي بالبصرة صنائع، ولكن إليها.
ـــــــ
234 وممن استأذنه في الخروج إلى مكة عبد الله بن عمر بن الخطاب، وسبب ذلك أن عليًّا لما تمت له البيعة عزم على قتال أهل الشام، وندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر، وحرضه على الخروج معه فقال: إنما أنا رجل من أهل المدينة إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، لكن لا أخرج لقتال في هذا العام. ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة، "ابن كثير: 230:7"، وكان الحسن بن علي مخالفًا لأبيه في أمر الخروج لمقاتلة أهل الشام ومفارقته المدينة كما ترى فيما بعد."خ".235 قول علي لهما وقسمهما له من زيادات مرتكبي "القاصمة" ورواتها."خ".236 ذهبت إليها هي وأمهات المؤمنين لما قطع البغاة الماء عن أمير المؤمنين عثمان، وأخذ يستسقي الناس، فجاءته أم حبيبة بالماء فأهانوها، وضربوا وجه بغلتها، وقطعوا حبل البغلة بالسيف. "الطبري 127:5"، فتجهز أمهات المؤمنين إلى الحج فرارًا من الفتنة. "ابن كثير 229:7"."خ".


خبر الحوأب وثبوت صحة الحديث
...
فجاءوا إلى ماء الحوأب237، ونبحت كلابه، فسألت عائشة، فقيل لها: هذا ماء الحوأب، فردت خطامها عنه، وذلك لما سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "أيتكن صاحبة الجمل الأَدْبَب 238 ، والتي تنبحها كلاب الحوأب" فشهد طلحة والزبير أنه ليس هذا ماء الحوأب239، وخمسون رجلًا إليهم240 وكانت أول شهادة زور دارت في الإسلام241.
ـــــــ
237 الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة. قاله أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري فيما نقله عنه ياقوت في معجم البلدان، وقال أبو عبد البكري في معجم ما استعجم: ماء قريب من البصرة، على طريق مكة إليها، سمي بالحوأب بنت كلب بن وبرة القضاعية."خ".238 الأَدْبَب: الأَدبّ "أظهر الإدغام لأجل السجعة"، والأدبّ: الكثير وبر الوجه. قاله ابن الأثير في النهاية."خ".239 هذا الخبر عن الصحابي الجليل الزبير عارٍ عن الصحة. وقد ذكر الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: 212/6 خلافه فقال:
روى أبو نعيم بن حماد في الملاحم -وقد أسنده- ثم روى أحمد -وقد أسنده- عن أبي حازم أن عائشة لما أتت على الحوأب، فسمعت نباح الكلاب فقالت: "ما أظنني إلا راجعة، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لنا: "أيتكن ينبح عليها كلاب الحوأب"، فقال لها الزبير: ترجعين؟ وعسى الله أن يصلح بك بين الناس، قال ابن كثير: وهذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجوه."م".240 لم يشهدوا، ولم تقل عائشة، ولم يقل** النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وسنبين ذلك في موضعه من العاصمة فيما بعد."خ".241 شهادة الزور تصدر عن رعاع لا يخافون الله كأبي زينب وأبي المورع كما تقدم، وتصدر عمن يزعم لنفسه أنه قادر على خلق شخصية لم يخلقها الله كالذي اخترع اسم ثابت مولى أم سلمة كما تقدم، أما طلحة والزبير المشهود لهما بالجنة من نبي الرحمة صلى الله عليه وآله وسلم الذي لا ينطق عن الهوى- فكانا أسمى أخلاقًا وأكرم على أنفسهما وعلى الله من أن يشهدا زورًا، وهذه الفرية عليهما من مبغضي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليست أول فرية لهم في الإسلام، ولا آخر ما يفترونه من الكذب عليه وعلى أهله."خ".
ـــــــ
** لقد صح حديث الحوأب كما نرى ذلك واضحًا عما قريب."م".


خروج علي إلى الكوفة وما وقع في العراق قبل وصوله
...
وخرج علي إلى الكوفة242، وتعسكر الفريقان والتقوا243، وقال عمار -وقد دنا من هودج عائشة-: ماتطلبون؟ قالوا: نطلب دم عثمان، قال: قتل الله في هذا اليوم الباغي والطالب لغير الحق244. والتقى علي والزبير، فقال له علي: أتذكر قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنك تقاتلني؟ فتركه ورجع245. وراجعه ولده، فلم يقبل، وأتبعه الأحنف من قتله"246.
ـــــــ
242 خرج من المدينة في آخر شهر ربيع الآخر سنة 36؛ ليكون على مقربة من الشام. وكان ابنه الحسن يود لو بقى والده بالمدينة، فيتخذها دار خلافته كإخوانه الثلاثة قبله فلا يبرحها "الطبري 171:5:، وانظر: 163:5، وقد سلك علي من المدينة إلى العراق طريق الربذة وفيد والثعلبية والساود وذي قار، ومن الربذة أرسل إلى الكوفة محمد بن أبي بكر ومحمد بن جعفر فرجعا إليه وهو في ذي قار بأن أبا موسى وأهل الحجا من الكوفيين يروى القعود، فأرسل الأشتر وابن عباس، ثم أرسل ابنه الحسن وعمارًا لاستمالة القوم إليه، وبينما هو في الطريق أنشب عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة القتال مع أصحاب الجمل. وفي الأساود جاءه خبر مصرع حكيم بن جبلة بن جبلة وقتلة عثمان، ثم جاء عثمان بن حنيف إلى علي وهو في الثعلبية منتوف اللحية ومغلوبًا على أمره، وفي ذي قار أقام على معسكره، ثم قام بمن معه إلى البصرة، وفيها أصحاب الجمل."خ".243 بعد وصول علي إلي ذي قار وقيام القعقاع بن عمرو بمساعي التفاهم تقدم علي بمن معه إلى البصرة، فأسرع قتلة عثمان إلى إحباط مساعي الإصلاح بإنشاب القتال.244 كان الفريقان يطلبان التفاهم وجمع الكلمة، وأما الباغي فهم قتلة عثمان، وقد قتلهم الله جميعًا إلا واحدًا منهم، وسيأتي بيانه."خ".245 إن هذا الخبر غير صحيح، وقد ذكر الإمام ابن كثير في البداية والنهاية: 213/6 ما يماثله وهو ضعيف."م". روى البيهقي -وقد أسنده- عن أبي وجزة المازني قال: سمعت عليًّا والزبير، وعلي يقول له: ناشدتك الله يا زبير "أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "أنك تقاتلني وأنت ظالم" ، قال: "بلى ولكني نسيت"، قال البيهقي: وهذا غريب."م".246 الذي قتل الزبير عمير بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع التميمي، والأحنف أتقى لله من أن يأمرهم بقتله، بل سمعوه يتذمر من قتال المسلمين بعضهم مع بعض فلحقوا بالزبير فقتلوه, "الطبري 18:5"."خ".


ونادى علي طلحة من بعد: "ما تطلب؟" قال: "دم عثمان"، قال: "قاتل الله أولادنا بدم عثمان"، ألم تسمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول :"اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله" وأنت أول من بايعني ونكث248.
ـــــــ
= 247 كان طلحة أصدق إيمانًا وأسمى أخلاقًا من أن يبايع وينكث، وإنما كان يريد جمع الكلمة للنظر في أمر قتلة عثمان، واستجاب علي لهذه الدعوة كما سيأتي في البحوث التالية، ولكن الذين جنوا على الإسلام أول مرة بالبغي على عثمان كانوا أعداء الله مرة أخرى بإنشاب القتال بين هذين الفريقين من المسلمين."خ".248 الحديث صحيح كما سنرى في غير هذا الوضع ولكن ليس فيه: "اللهم انصر من نصره واخذل من خذله"." م".


عاصمة. مجيء أصحاب الجمل إلى البصرة لتأليف الكلمة وللتوصل بذلك إلى إقامة الحد على قتلة عثمان
...عاصمة: أما خروجهم إلى البصرة فصحيح لا إشكال فيه. ولكن لأي شيء خرجوا؟ لم يصح فيه نقل، ولا يوثق فيه بأحد؛ لأن الثقة لم ينقله، وكلام المتعصب [غير مقبول]. وقد دخل مع المتعصب من يريد الطعن في الإسلام واستنقاص الصحابة: فيحتمل أنهم خرجوا خلعًا لعلي لأمر ظهر لهم249، وهو أنهم بايعوا لتسكين الثائرة، وقاموا يطلبون الحق. ويحتمل أنهم خرجوا ليتمكنوا من قتلة عثمان250. ويمكن أنهم خرجوا [لينظروا] في جمع طوائف المسلمين، وضم [تشردهم]، وردهم إلى قانون واحد حتى لا يضطربوا فيقتتلوا، وهذا هو الصحيح، لا شيء سواه. بذلك وردت صحاح الأخبار. فأما الأقسام الأُوَل فكلها باطلة وضعيفة: أما بيعتهم كرها فباطل [وقد بيناها]. وأما خلعهم فباطل؛ لأن الخلع لا يكون إلا بنظر من الجميع، فيمكن
ـــــــ
249 وهذا الاحتمال بعيد عن هؤلاء الأفاضل الصالحين، ولم يقع منهم ما يدل عليه، بل الحوادث كلها دلت على نزاهتهم عنه، وإلى هذا ذهب الحافظ ابن حجر في فتح الباري: 41:13-42 فنقل عن كتاب "أخبار البصرة" لعمر بن شبة قول الملهب: "إن أحدًا لم ينقل أن عائشة ومن معها نازعوا عليًّا في الخلافة، ولا دعوا إلى أحد منهم ليولوه الخلافة"."خ".250 وهذا ما كانوا يذكرونه، إلا أنهم يريدون أن يتفقوا مع علي على الطريقة التي يتوصلون بها إلى ذلك، وهذا ما كان يسعى به الصحابي المجاهد القعقاع بن عمرو، وقبله الطرفان كما سيأتي."خ".


أن يولى واحد أو اثنان، ولا يكون الخلع إلا بعد الإثبات والبيان. وأما خروجهم في أمر قتلة عثمان فيضعف؛ لأن الأصل قبله تأليف الكلمة. ويمكن أن يجتمع الأمران253. ويروى أن تغيبهم254 قطعًا للشعب بين الناس، فخرج طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم رجاء أن يرجع الناس إلى أمهم، فيرعوا حرمة نبيهم، واحتجوا عليها255 بقول الله تعالى: {لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء:114]، وقد خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلح وأرسل فيه، فرجت المثوبة، واغتنمت [الفرصة]، وخرجت حتى بلغت الأقضية مقاديرها. وأحس بهم أهل البصرة، فحرض من كان بها من المتألبين على عثمان الناس، وقالوا: أخرجوا إليهم حتى تروا ما جاءوا إليه، فبعث عثمان بن حنيف حكيم بن جبلة256، فلقى طلحة والزبير بالزابوقة، فقتل
ـــــــ
253 واجتماع الأمرين هو الذي كاد يقع، لولا أن السبئيين أحبطوه، فأصحاب الجمل جاءوا في أمر قتلة عثمان، ولم يجيئوا إلا لذلك، إلا أنهم أرادوا أن يتفاهموا عليه مع علي؛ لأن التفاهم معه أول الوسائل للوصول إلى ما جاءوا له."خ".254 أي تغيب طلحة والزبير وعائشة عن المدينة."خ".255 لما أقنعوها بالخروج إلى البصرة."م".

256 عثمان بن حنيف أنصاري من الأوس، كان عند هجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى المدينة أحد الشبان الأوسيين الخمسة عشر الذين انضموا إلى عبد عمرو بن صيفي عند خروجه إلى مكة مغاضبًا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان عبد عمرو يسمى في الجاهلية الراهب فسماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الفاسق. "الطبري: 16:2". والظاهر أن عثمان بن حنيف عاد من مكة وأسلم قبل وقعة أحد؛ لأنها أول مشاهده "الإصابة: 459:2". وتزعم الشيعة أنه شاغب على خليفة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبي بكر الصديق في أول خلافته "تنقيح المقال للمامقاني: 198:1" =

الاجتماع في البصرة
...
حكيم257، ولو خرج مسلمًا مستسلمًا لا مدافعًا258 لما أصابه شيء، وأي خير كان له في المدافعة، وعن أي شيء كان يدافع؟ وهم ما جاءوا مقاتلين ولا ولاة، وإنما ساعين في الصلح، راغبين في تأليف الكلمة، فمن خرج إليهم ودافعهم وقاتلهم دافعوا عن مقصدهم، كما يفعل في سائر الأسفار والمقاصد. فلما وصلوا إلى البصرة تلقاهم الناس بأعلى المربد مجتمعين259، حتى لو رمى حجر ما وقع إلا على رأس إنسان، فتكلم طلحة وتكلمت عائشة رضي الله عنها.
ـــــــ
= وأعتقد أن هذا من كذبهم، وقد تولى لعمر مساحة أرض العراق وضرب الجزية والخراج على أهلها، فلو صح ما زعموه من شغبه على أبي بكر لتنافى هذا مع استعمال عمر له، إلا أن يكون تاب، ولما بويع لعلي آخر سنة 35 واختار ولاته في بداية سنة 36 ولى عثمان بن حنيف على البصرة "الطبري: 161:5"، ولما وصل أصحاب الجمل إلى الحفير على أربعة أميال من البصرة أرسل إليهم عثمان بن حنيف عمران بن حصين الخزاعي صاحب راية النبي صلى الله عليه وآله وسلم على خزاعة يوم الفتح ليعلم له علمهم، فلما عاد إليه وذكر له حديثه مع أصحاب الجمل قال له عثمان بن حنيف: أَشِرْ علي يا عمران. فقال له: إني قاعد، فاقعد. فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين علي. وأشار عليه هشام بن عامر الأنصاري -أحد الصحابة المجاهدين الفاتحين- بأن يسالمهم حتى يأتي أمر علي، فأبى عثمان بن حنيف ونادى في الناس، فلبسوا السلاح، وأقبل عثمان على الكيد "الطبري: 174:5-175"، وكانت العاقبة فشله، وخروج الأمر من يده إلى أيدي أصحاب الجمل، ووقع ابن حنيف في أسر الجماهير فنتفت لحيته، ثم أنقذه أصحاب الجمل منهم فانسحب إلى معسكر علي في الثعلبة ثم في ذي قار. هذا هو عثمان بن حنيف وموقفه من أصحاب الجمل،
أما حكيم بن جبلة فالقارئ يعلم أنه من قتلة أمير المؤمنين عثمان، وقد تقدم التعريف به."خ".

57 الزابوقة: موضع قريب من البصرة كانت فيه وقعة الجمل في دورها الأول بعد أن خطب طلحة والزبير وعائشة في المربد، أما مصرع حكيم بن جبلة فكان بعد المعارك الأولى التي انتهت بغلبة أصحاب الجمل واستيلائهم على الحكم في البصرة، فتمرد حكيم بن جبلة على هذه الحالة الجديدة وقاتل مع ثلاثمائة من أعوانه حتى قتل."خ".258 أي مقاتلًا."خ".259 مربد البصرة: موضع كانت تقام فيه سوق الإبل خارج البلد =

كتابة الكتاب بين عثمان بن حنيف وأصحاب الجمل بالكف عن القتال
...وكثر اللغط260، وطلحة يقول: "أنصتوا" فجعلوا يركبونه ولا [ينصتون]، فقال: "أُفٍّ، أُفٍّ، فراش نار، وذباب طمع"، وانقلبوا على غير بيان261. وانحدروا إلى بني نهد، فرمامهم الناس بالحجارة حتى نزلوا الجبل262، والتقى طلحة والزبير وعثمان بن حنيف- عامل علي، على البصرة- ـــــــ
= ثم صارت تكون فيه مفاخرات الشعراء ومجالس الخطباء، ثم اتسع عمران البصرة، فدخل المربد في العمران، فكان من أجل شوارعها، وسوقه من أجل أسواقها، وصار محطة عظيمة سكنها الناس، ولما انحطت منزلة البصرة، وهزم عمرانها تضاءلت، فأمسى المربد بائنًا عنها حتى كان بينه وبين البصرة في زمن ياقوت ثلاثة أميال، والمربد خراب كالبلدة المفردة في وسط البرية، وكان موضع البصرة يومئذ قريبًا من موضع ضاحيتها الزبير في أيمنا هذه.

260 لأن الذين في الميسرة كانوا يقولون تعليقًا على خطبتي طلحة والزبير: فجرا، وغدرا، وقالا الباطل، وأمرا به. وقد بايعا ثم جاءا يقولان ما يقولان. والذين كانوا في الميمنة يقولون: صدقا، وبرا، وقالا الحق، وأمرا بالحق. وتحاثى الناس وتحاصبوا وأرهجوا، إلا أنه لما انتهت عائشة من خطبتها ثبت الذين مع أصحاب الجمل على موالاتهم لهم، وافترق أصحاب عثمان بن حنيف فرقتين فقالت فرقة: صدقت والله وبرت وجاءت بالمعروف، وقال الآخرون: كذبت، ما نعرف ما تقولون، فتحاثوا وتحاصبوا أرهجوا."خ".261 لما رأت عائشة ما يفعل أنصار عثمان بن حنيف انحدرت وانحدر أهل الميمنة مفارقين لابن حنيف حتى وقفوا في موضع آخر، ومال بعض الذين كانوا مع ابن حنيف إلى عائشة وبقى بعضهم مع عثمان بن حنيف "الطبري: 175:5".262 حفظ لنا الطبري: 176:5-177 وصفًا دقيقًا نقله سيف بن عمر التميمي عن شيخيه محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، وطلحة بن الأعلم الحنفي عن موقف أصحاب الجمل السلمي في هذه الوقعة، وإسراف حكيم بن جبلة في إنشاب القتال، قالا: وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن ثم حجز الليل بين الفريقين. وفي اليوم التالي انتقل أصحاب الجمل إلى جهة دار الرزق، وأصبح عثمان بن حنيف وحكيم بن جبلة فجددوا التقال، وكان حكيم يطيل لسانه بسب أم المؤمنين ويقتل من يلومه على ذلك من نساء ورجال، ومنادي عائشة يدعو الناس إلى الكف عن القتال فيأبون، حتى إذا مسهم الشر وعضهم نادوا أصحاب عائشة إلى الصلح."خ".

وصول علي إلى البصرة ووقع التفاهم بينه وبين أصحاب الجمل
...وكتبوا بينهم أن يكفوا عن القتال، ولعثمان دار الإمارة والمسجد وبيت المال، وأن ينزل طلحة والزبير من البصرة حيث شاءا، ولا يعرض بعضهم لبعض حتى يقدم علي263. وروي أن حكيم بن جبلة عارضهم حينئذ، فقل بعد الصلح. وقدم علي البصرة265، وتدانوا ليتراءوا266، فلم يتركهم أصحاب الأهواء، وبادروا بإراقة الدماء، واشتجر [بينهم] الحرب، وكثرة الغوغاء على البوغاء؛ كل ذلك حتى لا يقع برهان، ولا [تقف] الحال على بيان، ويخفى قتلة عثمان، وإن واحدًا في الجيش يفسد تدبيره، فكيف بألف.
ـــــــ
263 ونص كتاب الصلح في تاريخ الطبري 177:5: ولما بلغ عليًّا ما وقع كتب إلى عثمان بن حنيف يصفه بالعجز، وجمع طلحة والزبير الناس، وقصدوا المسجد وانتظروا عثمان بن حنيف فأبطأ، ولم يحضر، ووقعت فتنة في المسجد من رعاع البصرة أتباع حكيم بن جبلة، وكان لها رد فعل من أناس ذهبوا إلى عثمان بن حنيف ليحضروه، فتوطأه الناس ونتفوا شعر وجهه، أمرهم بذلك مجاشع بن مسعود السلمي زعيم هوازن وبني سليم والأعجاز من قبائل البصرة. "الطبري 178:5"."خ".265 فنزل مكانًا منها يسمى الزاوية. وكان أصحاب الجمل نازلين مكانًا منها يسمى الفرضة. "خ".

266 عند موضع قصر عبيد الله بن زياد، وكان ذلك يوم الخميس في النصف من جمادى الأخرة سنة 36 "الطبري 199:5". وكان الصحابي الجليل القعقاع بن عمرو التميمي قد قام بين الفريقين بالوساطة الحكيمة المعقولة، فاستجاب له أصحاب الجمل، وأذعن علي لذلك، وبعث علي إلى طلحة والزبير، يقول: "إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو، فكفوا حتى ننزل، فننظر في هذا الأمر"، فأرسلا إليه: :إنا على ما فارقنا عليه القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس". قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية: 239:7: فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين. فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا محمد بن طلحة السجاد إلى علي، وعولوا جميعًا على الصلح، وباتوا بخير ليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية. وبات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة باتوها قط، قد أشرفوا على الهلكة. وجعلوا يتشاورون ليلتهم كلها، حتى اجتمعوا على إنشاب الحرب في السر، واستسروا بذلك خشية أن يفطن بما حاولوا من =

وقد روي أن مروان لما وقعت عينه في الاصطفاف على طلحة قال: لا [أطلب] أثرًا بعد عين، ورماه بسهم فقتله267. ومن يعلم هذا إلا علام الغيوب، ولم ينقله ثبت. وقد روي "أنه" أصابه سهم بأمر مروان، لا أنه رماه. وقد خرج كعب بن سور بمصحف منشور بيده يناشد الناس أن لا يريقوا دماءهم269، فأصابه سهم غرب فقتله270، ولعل طلحة مثله.
ـــــــ
= الشر، فغدوا مع الغلس وما يشعر بهم جيرانهم، انسلوا إلى ذلك الأمر انسلالًا "وانظر مع ذلك الموضع من تاريخ ابن كثير تاريخ الطبري 202:5-203 ومنهاج السنة 185:5، 225:3، 241" وهكذا أنشبوا الحرب بين علي وأخويه الزبير وطلحة، فظن أصاب الجمل أن عليًّا غدر بهم، وظل علي أن إخوانه غدروا به، وكل منهم اتقى الله من أن يفعل ذلك في الجاهلية، فكيف بعد أن بلغوا أعلى المنازل من أخلاق القرآن."خ".

267 آفة الأخبار رواتها، وفي العلوم الإسلامية علاج آفة الكذب الخبيثة، فإن كل راوي خبر يطالبه الإسلام بأن يعين مصدره على قاعدة: من أين لك هذا؟ ولا تعرف أمة مثل هذه الدقة في المطالبة بمصادر الأخبار كما عرفه المسملون، ولا سيما أهل السنة منهم، وهذا الخبر عن طلحة ومروان لقيط لا يعرف أبوه ولا صاحبه، وما دام لم ينقله ثبت بسند معروف عن رجال ثقات فإن للقاضي ابن العربي أن يقول بملء فيه: ومن يعلم هذا إلا علم الغيوب؟

269 كعب بن سور الأزدي أو قضاةء المسلمين على البصرة ولاه أمير المؤمنين عمر. قال الحافظ بن عبد البر: كان مسلمًا في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنه لم يره.270 قال الحافظ ابن عساكر 85:7 في ترجمة طلحة: وقالت عائشة لكعب بن سور الأزدي: "خلِّ يا كعب عن البعير، وتقدم بكتاب الله فادعهم إليه"، ودفعت إليه مصحفًا، وأقبل القوم وأمامهم السبئية يخافون أن يجري الصلح، فاستقبلهم كعب بالمصحف، وعلي من خلفهم يزعهم ويأبون إلا إقدامًا، فلما دعاهم كعب رشقوه رشقًا واحدًا فقتلوه، ثم راموا أم المؤمنين ... فكان أول شيء أحدثته حين أبوا أن قالت: "أيها الناس، العنوا قتلة عثمان وأشياعهم"، وأقبلت تدعو، وضج أهل البصرة بالدعاء. وسمع علي =

ومعلوم أنه عند الفتنة، وفي ملحمة القتال يتمكن أولوا الإحن والحقود، من حلِّ العرى ونقض العهود، وكانت آجالا حضرت، ومواعد انتجزت771. فإن قيل: لم خرجت عائشة رضي الله عنها وقد قال صلى الله عليه وآله
ـــــــ
= الدعاء فقال: "ما هذه الضجة؟" فقالوا: عائشة تدعو ويدعو الناس معها على قتلة عثمان وأشياعهم. فأقبل علي يدعو وهو يقول: "اللهم العن قتلة عثمان وأشياعهم". قلت: وهكذا اشترك صالحوا الفريقين في لعن قتلة أمير المؤمنين الشهيد المظلوم في الساعة التي كان فيها قتلة عثمان ينشبون القتال بين صالحي المسلمين.

271 نقل الحافظ ابن عساكر 86:7-87 قول الشعبي: رأى علي بن أبي طالب طلحة ملقى في بعض الأودية، فنزل فمسح التراب عن وجهه، ثم قال: "عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلًا في الأودية وتحت نجوم السماء. إلى الله أشكو عجري وبجري" "قال الأصمعي: أي سرائري وأحزاني التي تجول في جوفي". وقال: "ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة". وقال أبو حبيبة مولى طلحة: دخلت أنا وعمران بن طلحة على علي بعد الجمل، فرحب بعمران وأدناه وقال: "إني لأرجو أن يجعلني الله وإياك من الذين قال فيهم: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} ، وكان الحارث الأعور* جالسًا في ناحية، فقال: الله أعدل من أن نقتلهم ويكونوا إخواننا في الجنة، فقال له علي: قم إلى أبعد أرض الله وأسحقها، فمن هو ذا إن لم أكن أنا وطلحة في الجنة؟ وذكر محمد بن عبد الله أن عليًّا تناول دواة فحذف بها الأعور يريده بها فأخطأه، وقال له ابن الكواء**: "الله أعدل من ذلك"، فقام إليه علي بدرة فضربه، وقال له: "أنت -لا أم لك- وأصحابك تنكرون هذا؟".
ـــــــ
* هو الحارث بن عبد الله الهمداني الحوثي أبو زهير الكوفي الأعور أحد كبار الشيعة. قال عنه الشعبي وابن المديني: كذاب. قلت: وإنما كان يدفعه إلى الكذب تحزبه وتشيعه، فالحزبية والتشيع والتعصب المذهبي من مدارج الباطل، والإسلام دين الاعتدال والإنصاف والصدق، وأن تقول الحق ولو على نفسك."م".** ابن الكواء: عبد الله بن أبي أوفى اليشكري أحد القائمين بالفتنة على عثمان. وبعد صفين والتحكيم كان على رأس الخوارج على علي، فلما حاجهم علي وابن عباس رجع إلى علي قبل وقعة النهروان، هذان التعليقان السابقان للخطيب."م".

وسلم لهن في حجة الوداع "هذه ثم ظهور الحصر"272. قلنا: حدث حديثين امرأة، فإن أبت فأربعة، يا عقول النسوان ألم أعهد إليكم ألا ترووا أحاديث البهتان، وقدمنا لكم على صحة خروج عائشة البرهان273،، فلم تقولون ما لا تعلمون؟ وتكررون ما وقع الانفصال عنه كأنكم لا تفهمون؟ {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}. وأما الذي ذكرتم من الشهادة على ماء الحوأب، فقد بؤتم في ذكرها بأعظم حوب274، ما كان قط شيء مما ذكرتم، ولا قال275 النبي صلى الله
ـــــــ
272 في مسند أحمد: 446:2 الطبعة الأولى من حديث صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لما حج بنسائه قال: "إنما هذه الحجة ثم الزمن ظهور الحصر"، وفيه 218:5 الطبعة الأولى من حديث واقد بن أبي واقد الليثي عن أبيه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قال لنسائه في حجته: "هذه ثم ظهور الحصر". وحديث أبي واقد في باب فرض الحج من كتاب المناسك بسنن أبي داود: ك11ب1. والحصر جمع حصير، أي لزوم المنزل. ونقله الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية 215:5 على أنه إشارة نبوية إلى أنه صلى الله عليه وآله وسلم، ينعى لهن نفسه، وأن هذه آخر حجة له صلى الله عليه وآله وسلم، وليس فيه أمر منه بأن لا يزايلن الحصر إلى حج أو مصلحة أو إصلاح بين الناس، فاستشهاد أعداء الصحابة بهذا الحديث على المنوع مطلقًا عده القاضي ابن العربي من البهتان؛ لأنه استشهاد به لغير ما أراده النبي صلى الله عليه وآله وسلم. "خ".

2 روى الإمام ابن حزم في بحث "وجوه الفضل والمفاضلة" من كتاب "الإمامة والمفاضلة" المدرج في الجزء الرابع من الفصل صـ 134 عن شيخه أحمد بن محمد الخوزي عن أحمد بن الفضل الدينوري عن محمد بن جرير الطبري أن علي بن أبي طالب بعث عمار بن ياسر والحسن بن علي إلى الكوفة، إذ خرجت أم المؤمنين إلى البصرة، فلما أتياها اجتمع إليهما الناس في المسجد، فخطبهم عمار، وذكر لهم خروج عائشة أم المؤمنين إلى البصرة ثم قال لهم: "إني أقول لكم، ووالله إني لأعلم أنها زوجة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الجنة كما هي زوجته في الدنيا، ولكن الله ابتلاكم بها لتطيعوها أو لتطيعوه" فقال مسروق أو أبو الأسود: يا أبا اليقظان، فنحن مع من شهدت له بالجنة دون من لم تشهد له، فسكت عمار."خ".274. الحوب: الإثم."خ".275 بل هو حديث صحيح، أخرجه أحمد 52/6 و 97 وغيره من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عن عائشة، وهذا إسناد صحيح =

تحقيق علمي لمسألة الحوأب
...
عليه وآله وسلم ذلك الحديث، ولا جرى ذلك الكلام، ولا شهد أحد
ـــــــ
= رجاله كلهم ثقات، وقد صححه ابن حبان 1831 والحاكم والحافظ والذهبي وابن كثير.
وبمناسبة الكلام على حديث الحوأب، لا بد لنا من التصريح بأن خروج عائشة رضي الله عنها كان اجتهادًا منها لتحقيق غاية طلحة والزبير، والتعاون مع علي رضي الله عنه من أجل إطفاء الفتنة والقضاء على المنافقين والمفسدين من قتلة عثمان رضي الله عنهم جميعًا. وقد جاء في كتاب التحفة الاثنى عشرية في رد المطاعن في حق أم المؤمنين وحبيبة حبيب رب العالمين عائشة الصديقة وزوج مفخرة العوالم على الحقيقة. منها أنها خرجت من المدينة إلى مكة، ومنها إلى البصرة، ومعها يزيد على ستة عشر ألف رجل من العسكر. وقد قال تعالى في الأزواج المطهرات:
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى} فأمرهن بالسكون في البيوت، ونهاهن عن الخروج من بيوتهن.

والجواب: أن الأمر باستقرارهن في البيوت والنهي عن الخروج منها ليس بمطلق، ولو كان مطلقًا لما أخرجهن رسول الله صلى اله عليه وآله وسلم بعد نزول الآية إلى الحج والعمرة والغزوات، ولا رخص بهن بزيارة الوالدين وعيادة المريض وتعزية أقاربهن. واللازم باطل، فكذا الملزوم. والمراد من هذا الأمر والنهي تأكيد التستر والحجاب، بأن لا يدرن ولا يتسكعن في الطرق كنساء العوام. وما طعن به أعداء الله على أم المؤمنين رضي الله عنها وجد في فاطمة رضي الله عنها لما ثبت في كتبهم بطريق التواتر أن الأمير -عليًّا- قد أركب فاطمة على مطية وطاف بها في محلات المدينة ومساكن الأنصار طالبًا منهم الإعانة على ما غصب من حقها في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وذلك بناء على رواية الخصوم. ولما ظهر علي رضي الله عنه جاء إلى أم المؤمنين رضي الله عنها فقال: "غفر الله لك"، قالت: "ولك، ما أردت إلا الإصلاح". ثم أنزلها دار عبد الله بن خلف، وهي أعظم دار في البصرة على سنية بنت الحارث أم طلحة الطلحات، وزارها ورحبت به وبايعته وجلس عندها. فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن بالباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر القعقاع بن عمرو أن يجلد كل منهما مئة جلدة وأن يجردهما من ثيابهما ففعل. "الطبري: 223:5" ولما أرادت الخروج من البصرة بعث إليها بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وأرسل معها أربعين امرأة وسير معها أخاها محمدًا. ولما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي رضي الله عنه فوقف على الباب
=

بشهادتهم، وقد كتبت شهاداتكم بهذا الباطل وسوف تسألون276.
ـــــــ
=
وخرجت من الدار في الهودج، فودعت الناس ودعت لهم وقالت: "يا بني، لا يغتب بعضكم بعضًا، إنه والله ما كان بيني وبين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في القديم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه لمن الأخيار"، فقال علي رضي الله عنه:
"صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذلك، وإنها زوجة نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا والآخرة، وسار معها مودعا أميالًا سرح بيته معها بقية ذلك اليوم.

أما خروج عائشة رضي الله عنها فهو اجتهاد منها لتحقيق غاية طلحة والزبير، والتعاون مع علي من أجل إطفاء الفتنة والقضاء على المنافقين من قتلة عثمان رضي الله عنهم جميعا. "التحفة صـ 260-268، 275، 276 باختصار". فأين هذه البراءة مما زعمه بعض المفترين بأن خروج عائشة رضي الله عنها يوم الجمل كان انتقامًا من علي رضي الله عنه من أنه حض الرسول صلى الله عليه وآله وسلم على طلاقها في حادثة الإفك لما رأى من حزنه من كلام بعض الناس. وقد قال غير واحد أنها اجتهدت، ولكنها أخطأت في الاجتهاد، ولا إثم على المجتهد المخطيء، بل له أجر على اجتهاده، وكونها رضي الله تعالى عنها من أهل الاجتهاد مما لا ريب فيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى:

إن عائشة لم تقاتل، ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت بقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أن في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبين لها فيما بعد أن ترك الخروج كان أولى، فكانت كلما ذكرت تبكي حتى تبل خمارها، وهكذا عامة السابقن ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير رضي الله عنهم أجمعين، ولم يكن لهؤلاء قصد في القتال، ولك وقع القتال بغير اختيارهم . "المنتقى صـ 223"."م".
276 تقدم بيان موضع الحوأب. وأن الكلام الذي نسبوه إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزعموا أن عائشة ذكرته عند وصولهم إلى ذلك الماء ليس له موضع في دواوين السنة المعتبرة. وقد رأينا خبره عند الطبري 170:5 فرأيناه يرويه عن إسماعيل بن موسى الفزاري "وهو رجل قال فيه ابن عدي: أنكروا منه الغلو في التشيع"، ويرويه هذا الشيعي عن علي بن عابس الأزرق "قال عنه النسائي: ضعيف"، وهو يرويه عن أبي الخطاب الهجري "قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: مجهول" وهذا الهجري المجهول يرويه عن صفوان بن قبيصة الأحمسي "قال عنه

ـــــــ
= الحافظ الذهبي في "ميزان الاعتدال": مجهول". هذا هو خبر الحوأب. وقد بني على أعرابي زعموا أنهم لقوه في طريق الصحراء ومعه جمل أعجبهم، فأرادوا أن يكون هو جمل عائشة، فاشتروه منه، وسار الرجل معهم حتى وصلوا إلى الحوأب، فسمع هذا الكلام ورواه، مع أنه هو نفسه -أي الأعرابي صاحب الجمل- مجهول الاسم، ولا نعرف عنه أن كان من الكذابين أو الصادقين.
ويظهر لي أنه ليس من الكذابين ولا من الصادقين؛ لأنه من أصله رجل موهوم لم يخلق، ولأن جمل عائشة واسمه "عسكر" جاء به يعلى بن أمية من اليمن وركبته عائشة من مكة إلى العراق، ولم تكن ماشية على رجلها حتى اشتروا لها 0جملا من هذا الأعرابي الذي زعموا أنهم قابلوه في الصحراء، وركبوا على لسانه هذه الحكاية السخيفة ليقولوا أن طلحة والزبير -المشهود لهما بالجنة ممن لا ينطق عن الهوى- قد شهدا الزور، ولو كنا نستجيز نقل الأخبار الواهية لنقلنا في معارضة هذا الخبر خبرًا آخر نقله ياقوت في معجم البلدان "مادة حوأب" عن سيف بن عمر التميمي أن المنبوحة من كلاب الحوأب هي أم زمل سلمى بنت مالك الفزارية التي قادت المرتدين ما بين ظفر والحوأب، فسباها المسلمون، ووهبت لعائشة فأعتقتها، فقيلت فيها هذه الكلمة. وهذا الخبر ضعيف والخبر الذي أوردوه عن عائشة أوهى منه. وما برح الكذب بضاعة يتجر بها الذين لا يخافون الله. ذكرنا فيما سبق أن خبر الحوأب صحيح فليرجع إليه."م".




Ini kami nukil dari sebuah kitab sejarah yaitu "Al-’Awashim minal-Qowashim". (juz.1 hal :141-165) Dari kitab ini setidaknya kita akan mendapat sandaran dalam menganalisa sejarah. Sesunggunya bisa saja kami muat semua isi kitab itu, namum kami menukil seperlunya dulu untuk rujukan. Untuk penjelasan nanti pada halaman lain





© Post Original & Official®
 █║▌│█│║▌║││█║▌║▌║
Verified Official by Soffah.net

Post a comment Blogger

Apa opini dari anda?